السيد محمد حسين فضل الله

29

من وحي القرآن

واستجابة ربه له بإغراق الكافرين بالطوفان ، من دون أن يكون لنوح أيّ دور عملي فيه . فإذا انتقلنا إلى إبراهيم عليه السّلام فنجد قوله تعالى : قالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ * قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ * وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ [ الأنبياء : 68 - 70 ] إنه اللطف الإلهي بنبيه إذ أرادوا إحراقه ، فأنجاه اللّه من النار فحوّلها إلى عنصر بارد . فإذا انتقلنا إلى الطلب الذي قدمه النبي إبراهيم عليه السّلام إلى ربّه أن يريه كيف يحيي الموتى وذلك قوله تعالى : وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [ البقرة : 260 ] . فإننا نرى أن دور إبراهيم في المسألة هو أن يأتي بالطيور ويذبحها ويقسمها إلى أجزاء ثم يدعوهن لتأتينه سعيا ، لنشاهد الصورة الواضحة في كيفية إحياء اللّه الموتى ، فإن اللّه هو الذي أحياها بطريقة مباشرة ولم يكن لإبراهيم دور في ذلك . ونصل إلى موسى عليه السّلام الذي تمثلت المعجرة لديه أولا في مجلس فرعون الذي قال كما جاء به قوله تعالى : قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ [ الأعراف : 106 - 108 ] ثم في ذروة التحدي الذي واجهه في صراعه مع السحرة ، وذلك قوله تعالى : وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ [ الأعراف : 117 ] . ونحن لا نرى أي جهد لموسى في الموضوع ، فإنه كان يعيش دور المنفعل الذي يحولّ اللّه يده السمراء إلى بيضاء ، ويحوّل العصا التي يمسكها إلى ثعبان ، وكان خاضعا للخوف من تجربة السحرة ، وللحيرة في ما يمكن أن يقوموا به ردّا للتحدي ، لأنه كان ينتظر تدخل اللّه غير العادي في المسألة ، وذلك هو قوله تعالى : « فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى * قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى * وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى * [ طه : 67 - 69 ] .